الحاج السيد عبد الله الشيرازى
68
عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل
خلاف البداهة والوجدان ، وإجماله مما لا ينكر ، لدلالة الأوامر الواردة في الكتاب على جعل الأحكام وإنشائها ووضوح أنها ليست قضايا خبرية كاشفة عن العلم بالمصالح والمفاسد . نعم ، إنها غير كاشفة عن انقداح الإرادة والكراهة في نفسه تعالى بمعناها المصطلح ، ولا حاجة إليهما في انتزاع الوجوب والحرمة وترتيب مطلق الآثار المترتّبة عليهما ، لأنه يكفي فيها الإنشاء الكاشف عن العلم بالمصلحة والمفسدة . وأما انقداح الإرادة والكراهة في نفس النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلّم ) والإمام ( عليه السلام ) وإن كان مما لا ينكر ، إلا أنه غير مفيد في المطلب ، لعدم انحصار أدلة الأحكام بالسنة بل كثير منها وردت في خصوص الكتاب الكريم . فالتحقيق في الجواب هو ما قلناه من : أن عدم انقداح الإرادة والكراهة في نفس الحاكم لا يضر بتحقق الوجوب والحرمة من قبله وإيجابه وتحريمه ، بل قد عرفت سابقا بأن وجوب امتثال أوامر المولى ولزوم الإتيان بمراداته المنقدحة في نفسه ، إنما هو من جهة كشفها عن أغراضه ، بحيث لو أحرز الغرض ولم يكن في البين أمر أو نهي ولم تنقدح في نفسه إرادة ولا كراهة ، يجب الإتيان بما فيه الغرض . ثم لا يخفى : أن المقصود من مجعولية الحكم الوضعي عند من يقول بها ، كونه من الأمور الاعتبارية التي تتحقق بقصد تحققها في الخارج بالإنشاء ، كالملكية والزوجية وغيرهما مما هو الحاصل في باب العقود والإيقاعات ، بل غيرهما مما يتحقق بالإنشاء بقصد جعله كالحجية والقضاوة والولاية وإن أمكن دخولها في الإيقاعات . ولا يخفى : أن الجعل بهذا المعنى غير الجعل في باب التكليف ، فإن تحقق الوجوب لا يبتني على قصد المولى تحققه في الخارج ، بل ينتزع من مجرد إظهار المولى توجه إرادته نحو الفعل وكونه مرادا له ، بل قد عرفت أنه يترتب الأثر بل مطلق الوجوب إذا علم غرضه من الخارج . وبهذا الاعتبار يمكن أن يقال : إن الحكم التكليفي - أي الوجوب والحرمة - أمر انتزاعي ، والحكم الوضعي يكون مجعولا كثيرا ، فينعكس الأمر .